ما وراء الزجاج :الفاشر محاصرة.. الأبيض حرة.. والمليشيا منهارة.. فلماذا التحذيرات الدولية؟
هجو احمد محمد
إنها حقاً مفارقة تذهل العقل أن يعيد ذات المحور (الدولي-الإقليمي) المساند للمليشيا إنتاج (ذات السيناريو) واستنساخ (ذات التحذيرات الدولية) التي رفعها سابقاً على مدينة (الفاشر) ليلقي بها اليوم على مدينة (الأبيض الصامدة) التي يختلف واقعها تمام الاختلاف عن واقع الفاشر أيام حصارها.
ففي (الفاشر) كانت التحذيرات الدولية – مهما شابها من جدل حول دوافعها – تستند إلى واقع مرير وحصار خانق استمر لأكثر من عامين ومليشيا تقف على (بوابات ) المدينة تهدد المدنيين وترتكب جرائم وانتهاكات ترقى إلى مستوى الفظائع الجماعية والجرائم الإنسانية ومدنيون عزل يحاصرون بين جحيم المليشيا وصمت العالم بواسطة جحافل مرتزقة المليشيا كانت التحذيرات هناك – على الأقل شكلاً – استجابة لوضع إنساني كارثي لا يُحتمل .
لكن اليوم يطلق ذات المحور (الدولي-الإقليمي) المعادي للسودان ذات اللغة ويستنسخ ذات النبرة لكن هذه المرة على مدينة (الأبيض) التي صمدت ثلاثة أعوام كاملة في وجه أعتى هجمات المليشيا و فشلت المليشيا في اقتحامها رغم كثافة الحصار وشدته وتم (فك حصارها ) منذ أكثر من عام حين التحمت قوات (متحرك الصياد) الباسلة مع الفرقة الخامسة مشاه في مشهد بطولي كسر شوكة المليشيا وخرجت المليشيا منهكة متناثرة في جزر معزولة لا تملك من القوة ما يهدد طفلاً في مدرسته واقع المدينة ينبض بالحياة وأسواقها مزدحمة ومدارسها مفتوحة وأطفالها يملؤهم الأمل فكيف لتحذيرات كتبت لمدينة محاصرة مثل الفاشر أن تُستنسخ ل(مدينة حرة ) وفك حصارها منذ أكثر من عام وتعيش في سلام واستقرار مشهود
ماذا قالت التحذيرات الدولية؟
ورد في البيان الصادر عن تحالف (الدول الغربية) تحذيرات محددة بشأن (الأبيض) تضمنتةخطر تصعيد وشيك للمليشيا وتحذيراً من وقوع فظائع جماعية مع اتهامات بـ القتل المتعمد و دعوة فورية لوقف الهجوم ومطالب بالسماح للمدنيين ب (مغادرة المدينة)
إن قراءة متأنية لهذه التحذيرات – بعيداً عن (الأقنعة الإنسانية) الزائفة – تكشف أن هدفها الرئيس ليس حماية المدنيين كما تدعي بل إفراغ مدينة الأبيض من مواطنيها ضمن (الحملات الممنهجة) التي يستهدف بها هذا المحور (الدولي-الإقليمي) شعب السودان فالدعوة إلى (السماح للمدنيين بمغادرة المدينة) ليست سوى غطاء لتنفيذ مخطط ممنهج يهدف إلى
1. تغيير التركيبة السكانية للمدينة ضمن أهداف الحرب الوجودية التي تستهدف كيان الدولة وتجريف شعبها
2. إضعاف الجبهة الداخلية للمدينة وإشاعة الخوف والذعر بين سكانها الذين صمدوا ثلاث سنوات في وجه الحصار
3. تمهيد الطريق لتدخلات خارجية أو سيناريوهات تقسيمية تحت ذريعة (حماية المدنيين)
4. استنساخ سيناريو الفاشر الذي سبق أن رُوّج له في مدن سودانية أخرى، حين دُعي المواطنون إلى مغادرة منازلهم، لتُفتح المدينة أمام المليشيا دون مقاومة
حقيقة الميدان ليست كما تروّج له التحذيرات وواقع الحال أن المليشيا التي يُصوّرونها كـ (خطر داهم) ليست سوى بقايا متآكلة فشلت طوال ثلاثة أعوام في اقتحام المدينة وتحطمت على أسوارها في أكثر من ثمانين معركة ثم خرجت منهكة تذوب في العزلة لا تملك من القوة ما يهدد مدينة بأكملها صمدت ثلاث سنوات في وجه أعتى هجماتها فكيف تهددها اليوم بعد أن انهارت وتفككت؟!
المدينة التي صمدت ثلاث سنوات في وجه المليشيا وحطمت أعتى هجماتها في أوج قوتها، وكسرت حصارها بدماء أبنائها، وهي الآن تنبض بالحياة في مدارسها المفتوحة وأطفالها يملؤهم الأمل وأسواقها المزدحمة، لن تخضع لسيناريوهات الإفراغ والتقسيم التي تنسجها أقلام الخوف في العواصم الأجنبية.
ولن ترهبهم الأكاذيب التي تتناسى عمداً أن (الأبيض) ليست (الفاشر)، وأن تاريخ الصمود والعزيمة ضارب في الجذور منذ ملحمة شيكان، وأن المليشيا التي انهارت وتحطمت بعد أن فشلت في اقتحامها طوال ثلاث سنوات لا تقوى الآن على فعل شيء مما يخططون له بما يخدم أجندة (إماراتية-إقليمية).
التحذيرات الدولية إذن ليست واقعية ولا بريئة، إنها حملة دعائية ممنهجة تقاد ضمن استراتيجية المحور (الدولي-الإقليمي) الذي تقوده الإمارات وتدار بتنسيق مع حلفاء المليشيا تستهدف البلاد في عمقها وتسعى إلى خلق حالة من الذعر والارتباك في مدينة مستقرة تتعافي يوما بعد يوم منذ أن فك حصارها ومن ضمن الأهداف التغطية على (إخفاقات المليشيا ) وفشلها وإلهاء الرأي العام عن هزائمها المتتالية إضافة إلي تبرير تدخلات خارجية مرتقبة تحت غطاء إنساني زائف بإعادة إنتاج (مشهدية الفاشر) لتكون ذريعة لمخططات التقسيم
من يقرأ المشهد من شاشاته البعيدة دون أن يرى المدينة بعينيه، ومن يُصدر تحذيراته بتوقيت مريب يتزامن مع إخفاقات المليشيا، إنما يبيع أوهاماً لا تساوي حجراً من تراب الأبيض، وهو يُسخّر قلمه لخدمة مشاريع التقسيم والإفراغ التي تقودها الإمارات وحلفاؤها.
فالمدينة التي صمدت ثلاث سنوات لا تُرهبها التحذيرات، والصامدون في أرضها لا تخيفهم أصوات المسيرات.
الأبيض بخير، وأهلها باقون، وهذه حقيقة لا تخفيها بيانات العواصم الغربية البعيدة، ولا تُزيّفها حملات المحور الإقليمي الدولي الإماراتي الدعائية.
هذا التناقض لا يمكن تفسيره بالجهل أو الخطأ، بل هو قلب متعمد للحقائق، ومحاولة يائسة لإعادة إنتاج (مشهدية الفاشر) في الأبيض، لأهداف لا علاقة لها بحماية المدنيين، بل تتعلق بـإفراغ المدينة من سكانها تغيير هويتهاتنفيذ المؤامرة الإقليمية الدولية التي تستهدف البلاد